عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي
208
نزهة المجالس ومنتخب النفائس
جرت عادة السادة في مقام السيادة إذا راموا إحضار أحد العبيد بمجلس الإجلال والتحميد وأرادوا إتحافه بتحف الأنعام في مقام الإكرام أفاضوا عليه من خلع التفضيل وألبسوه كل جميل فقال متى هذا الوعد الكريم والفضل والتكريم ؟ فقيل ألست قمت لنا في الظلام على أقدام مجاهدتك ففيه ندعوك إلى دار كراماتك سترا على حالك وغيرة على جلال جمالك لتكون خلوة بجلوة وجلوة بخلوة ثم نودي بين حجب الجبروت وفضاء الملكوت يا جنة عدن تزيني يا دار النعيم تكوني ويا حلل الأنعام تلوني ويا حور تبختري ويا سماوات افتخري فقالت إلهنا ما الخبر ؟ فقال الليلة يقدم لزيارتنا سيد البشر فلما شق جيب المغيب نشرت أعلام نصر من اللّه وفتح قريب على أبواب الدولة المحمدية والرسالة الأحمدية فلما انهار زخرف النهار وغشي الظلام نور الأبصار جاءه السيد جبريل وتقدم ودنا منه وسلم وحياه وأكرم وأجله واحترم وقال أيها السيد قم على أقدام المسرة فقد دعيت إلى الحضرة فركب في حشمة رسالته ودارت به مواكب كرامته فلما وصل إلى مقام الإجلال كقاب قوسين لدنو الجمال قال ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا قيل لمن هذا الاستغفار ؟ قال لأمتي قال تطلب كل الأمة أو بعضها قال كم هم في وصف كرمك قيل انظر عن يمينك فرأى واديا مملوءا دخانا فقال إلهي ما هذا الدخان ؟ قال سوء أفعالهم وقبيح أعمالهم فقال صلى اللّه عليه وسلم أتريد أن توحش قلبي منهم وتنفر فؤادي عنهم ووعدك الحق في تحقيق كرامتي فقيل قد وهبناك ثلثهم فقال وعزتك لا أرضى قيل فالنصف قال لا أرضى بدون الكل يا إلهي لما أنزلت علي يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ( 1 ) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ( 2 ) [ المزمل : 1 ، 2 ] نصفه أو أنقص منه قليلا والنصف إذا نقص منه قليل صار الثلث فعبدك ما رضي في خدمتك بالثلث والنصف بل قمت الليل كله فلا أرضى إلا بأمتي كلها فقيل له قد مننا عليك بأمتك كلها وغفرنا لهم بخدمتك ولأرفعن قدر من صلى عليك منهم ببركتك ، قال في عقائق الحقائق : لما وصل النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى بيت المقدس صلى بالأنبياء ركعتين على ملة إبراهيم قرأ في الأولى قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ( 1 ) [ الكافرون : 1 ] وفي الثانية الإخلاص ، ثم أخذ جبريل بيده صلى اللّه عليه وسلم إلى ناحية الصخرة ونادى يا إسماعيل أدل المعراج فجاء به من الفردوس أحد شعبتيه من ياقوتة حمراء والأخرى من زبرجدة خضراء وهو منضود باللؤلؤ من أحسن شيء خلقه اللّه تعالى وما من مؤمن إلا ويراه عند موته ألا ترون أن يشخص ببصره إلى السماء أصله على الصخرة ورأسه ملتصق بسماء الدنيا له مائة درجة من الذهب والفضة والزبرجد والياقوت والمسك والعنبر فلما صعدت على الدرجة الأولى رأيت ملائكة ألوانهم حمر وثيابهم حمر ثم صعدت الدرجة الثانية فرأيت ملائكة ألوانهم صفر وثيابهم صفر ثم صعدت الدرجة الثالثة فرأيت ملائكة ألوانهم خضر وثيابهم خضر ثم صعدت الدرجة الرابعة ورسول يأتي من بعد رسول ويقول يا جبريل عجل بمحمد فرأيت ملائكة تبرق أجسامهم ووجوههم كما تبرق المرآة ثم صعدت الخامسة فإذا عليها ملائكة أكثر من الجن والإنس كلامهم لا إله إلا اللّه ثم صعدت السادسة فإذا عليها ملك عظيم جالس على كرسي من ذهب معه ملائكة شاخصون بأبصارهم هيبة اللّه تعالى كلامهم ما شاء اللّه كان ثم